ابن ميثم البحراني
35
شرح نهج البلاغة
الركن الثاني فيما به التشبيه وفيه أبحاث . البحث الأوّل في أقسامه - إنّه إمّا أن يكون صفة حقيقيّة أو إضافيّة ، والأوّل إمّا كيفيّة جسمانيّة أو نفسانيّة ، والأوّل إمّا كيفيّة محسوسة إحساسا أوّلا أو ثانيا ، والأوّل إمّا بحسّ البصر كتشبيه الخدّ بالورد في الحمرة وتشبيه الوجه بالنهار والشعر بالليل ، أو بحسّ السمع كتشبيه أطيط الرجل بأصوات الفراريج ، وكتشبيه الصوت المنكر بصوت الحمار ، أو بحسّ الذوق كتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالعسل والسكَّر ، أو بحسّ الشمّ كتشبيه بعض الرياحين بالمسك والكافور ، أو بحسّ اللمس كتشبيه الجسم اللين الناعم بالخز والخشن بالمسح ، وأمّا المحسوسة ثانيا فهي الأشكال والمقادير والحركات ، والأشكال إمّا مستقيمة أو مستديره مثال التشبيه في الاستقامة تشبيه الرجل المعتدل القامة بالرمح ، ومثال التشبيه في الاستدارة المستدير بالكرة تارة وبالحلقة أخرى ، ومثال التشبيه في المقادير تشبيه عظيم الجثّة بالجمل والفيل ومثاله في الحركة تشبيه السريع بالسهم ، وأمّا الاشتراك في كيفيّة جسمانيّة غير محسوسة فكما يقال فلان كالحمار أي في بلادته أو شبقه وهو كالنمر أي في غضبه ، وأمّا في الكيفيّة النفسانيّة فكالاشتراك في الغرائز والأخلاق كالكرم والحلم والشجاعة والذكاء والفتنة والعلم والزهد كقولك هو كالحاتم أي في جوده وكعمرو بن معدي كرب أي في شجاعته ، وأمّا الاشتراك في الحالة الإضافيّة فكقولهم هذه الحجّة كالشمس فالاشتراك هاهنا في الجلاء بالنسبة إلى البصر والفهم وهى حالة إضافية وقد يكون جليّة كما ذكرنا وكقولهم ألفاظ فلان كالماء أي في السلاسة وكالنسيم أي في الرّقة وذلك أنّه إذا لم يتنافر حروفه بل خفت على اللسان ولم يكن غريبا وحشيّا ارتاح له القلب فلسرعة وصوله إلى النفس صار كالماء الَّذي يسرع نفوذه إلى الحلق والنسيم الَّذي يسري في البدن وقد يكون خفيّة كقول من ذكر بني المهلَّب هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها ألا ترى أنّه لا يفهم المقصود من ذلك إلَّا من كان له ذهن يرتفع عن درجة العامّة . البحث الثاني في تقسيمه بوجه آخر - إنّه قد يكون قريبا وقد يكون بعيدا والأوّل كما إذا خطرت ببالك استدارة للشمس واستنارتها فإنّه يخطر بقلبك المرآة المجلوّة وتلاحظ الشبه بينهما وكذلك إذا نظرت إلى الوشيّ المنشور لاح لك شبهه الروض الممطور